#1  
قديم 02-13-2010, 05:09 PM
الصورة الرمزية أحمد المطيري
أحمد المطيري أحمد المطيري غير متواجد حالياً
عضو الجمعية
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
المشاركات: 23
افتراضي الشعر بين الثقافي والوسيط

الشعر انعكاس فكري لما يدور في ذهن الشاعر من آراء ومشاعر تمر بتراتيل وترانيم موسيقية أثناء صياغة القصيدة، ولايسمى شعرا مالم يُنطق به ولا اعتداد لما يُكتب إلا في التوثيق فقط، وقد تفوق الفصيح على العامي في النطق والكتابة، والعامي من الصعب أن تقرأه مكتوبا؛ فالفصيح يسير وفق أنظمة وظيفية صوتية وصرفية ونحوية محددة ومنضبطة منذ أكثر من ألف وخمسمئة سنة، وهذا بلا شك يتعذر في الشعر الوسيط (العامي) المتغير بتغير المجتمع في زمانه ومكانه.
وحجر الزاوية في اختلاف الأدباء حول مشروعية إدخال الشعر العامي في الأنساق الثقافية للحضارة العربية؛ لذلك لم يُكتب لصفي الدين الحلّي(750هـ) النجاح في نقله لهذا الشعر الوسيط، كما أنه يصعب على من أراد أن يقلّد شعراء العامية في القرن الحادي عشر الهجري أن يتذوق طريقتهم اللغوية مستلهمًا تلك القواعد العامية التي ساروا عليها، بينما شعر البارودي وشوقي في الجانب الفصيح يقترب كثيرا من فصيح القرون الهجرية الأولى، ويتفق تماما معها في الجانب اللغوي، ولعلنا لانذهب بعيدا عندما نرى في مسابقة شاعر المليون كيف جاء أحد المتسابقين الإماراتيين بالشعر القومي الإماراتي، في الحقيقة لم أفهم شيئًا مما قال خصوصا أنه ابتعد عن لغة الشعر العامية المشهورة (النجدية)، وكانت النتيجة خروجه من المسابقة مبكرًا، بل إنني أعرف كثيرا من شعراء الجنوب يتحدثون بلهجتهم الجنوبية وينظمون بلهجة الشعر النجدية! وكأنما لغة الشعر المعتمدة هي النجدية، كما أن لغة الحجاز هي المعتمدة في الأشعار الفصيحة، فإذا كانت اللهجة الحجازية تم اعتمادها لغة فصيحة لأنها لغة القرآن الكريم، فكيف اكتسبت النجدية قداستها عند شعراء الخليج وبلاد الشام واليمن؟! أما شعراء المغرب العربي فلا ناقة لهم ولاجمل في هذا الشعر النجدي، ويؤيد ذلك اختلاف نطق الشاعر التونسي-في مسابقة شاعر المليون-عن كتابته، حتى وإن حاولت الجهة المنظمة لتلك المسابقة أن تقنع المشاهدين بعالمية الشعر النجدي الذي يسمى تجاوزا (الشعر النبطي)، هذه تعطينا انطباعات مبدئية لمشاريع بحثية مطولة حول ارتكاز الثقافة العربية الشرقية على البيئة النجدية.
والملاحظ لمسابقة شاعر المليون أنهم يعتمدون على مقاييس ومعايير غير مجدية في الحكم على الشعر الوسيط، لأنها مختلسة من الشعر الثقافي، ولايمكن أن يُعالَج الشعر الوسيط بأدوية الشعر الثقافي إلا إذا تمت دراسة الشعر الوسيط في لغته وبلاغته بأن يتم اختراع نحو عامي يضبط مسارات هذا الشعر؛ هذه الفارقة وقع فيها الدكتور غسان عندما انتقد أحد الشعراء في عبارة (شوفي شجر)! لعدم إلمامه بقوانين الشعر الوسيط والثقافة النجدية،
وهذا التخبط في الحكم على القصائد يبدو واضحًا خصوصًا عندما انتقدت اللجنةُ الشاعرةَ ربا الدويكات هذا العام في توظيف بعض الأبيات الفصيحة وتقبلتها مع الأهدل في العام الأول!!
وغالبا ما ينجح في اختيارات اللجنة من أدرك تلك الفوارق واحتال على اللجنة بالقصيدة الثقافية الوسيطة؛ لذلك يضطر بعض الشعراء النجباء للكتابة الوسيطة المثقفة (ألفاظ مفصحة وتراكيب عامية)، كناصر الفراعنة وصالح السكيبي وبندر بن محيا، على سبيل المثال، لاحظوا مطلع القصيدة للشاعر بندر بن محيا:
تهب الريح فـ أوراق الشجر ويغرد العصفور.. وأنا تحت الهجير وصمتي أحيانًا يكون ظلال

هذا اللون من الشعر لم يكن موجودا في الشعر النبطي وهذا النموذج أصبح شعرا وسيطا بين النبطي والفصيح، ويعود ذلك إلى التطور الثقافي اللغوي في السنوات الأخيرة الماضية عنه في العصور التي شهدت انطلاقة الشعر النبطي، وهذا يدل على أن اللغة حجر الزاوية في تشكيل الشعر وما هي إلا انعكاس لثقافة المجتمع، ولا نملك أن نوقف الشعر الوسيط إلا إذا أخرسنا المجتمع عن التفكير بالعامية. وهذا مؤشر لارتفاع المستوى اللغوي المنطوق إلى المفصّح إلا أنه ينبغي أن لا يكون العامي نموذجا للثقافة؛ لأن مصيره سيكون أسطورةً مكتوبة أو مسموعة ، فمن هو أبوزيد الهلالي!!
في حقيقة الأمر أرى أن هناك من الشعراء من ينافس شاعرية المتنبي أو أبي العلاء المعري في طريقة تفكيره بالشعر إلا أنه لايجد انتفاعًا كبيرًا بسبب انكفائه على اللغة الوسيطة دون الثقافية، وإن حاول الارتقاء للشعر الثقافي فإنه سيفشل بسبب عدم إلمامه بالنظام اللغوي الفصيح، خذوا –مثلا- هذه المنظومة للشاعر سعد علوش:

لبيك ياسلكا حملت الفضائل .. أوعز لصاحبك بتحرير قيدي!
ويفسر هذا قائلا :
يعني بحكينا : لبى والله عروقك.. متى تعيّد في عروقي ياعيدي!!
أترك لكم التعليق، متسائلا: ما علاقة المفسِّر أدناه بالمفسَّر أعلاه؟!

المحصلة من هذا الكلام أننا لا يمكن أن ننتقد الشعر العامي نقدًا أدبيًا؛ لأن أنساق اللغة فيها مبهمة لاتسير وفق قاعدة معيارية أو وصفية إلا في إطار ضيق فالنجدي لا يمكن أن يتفق مع الخليجي في النظام التركيبي لبناء الجملة!

أيضا ثقافة العامية المتغيرة من الصعب أن يتم التعرف عليها وإخضاعها للتقعيد اللغوي حتى ولو توافرت الآن أجهزة التسجيل ورصد الكلام المنطوق.

حاشية:
من الممكن أن يُدرس النظام اللغوي العامي دراسة لغوية تقابلية مع النظام الفصيح لخدمة المجتمع بالوصول إلى تحليل ثقافته والارتقاء بها إلى المستوى الثقافي الفصيح، فسيكون بذلك وسيلة إلى الغاية، شريطة أن يعاد النظر في طرق تعليم النحو العربي لتكون موافقة لمفاهيم العرب في هذا الزمان.

عطف بيان:
الشعر الوسيط شعر لذيذ يتذوقه العامّي والمثقف، ولا إنكار على من ينظمه ويستمع إليه ويستمتع به، لكنه لايصمد في الميدان الثقافي الحضاري كصمود الفصيح، وأثره يزول بزوال بنيته المحكية.
فأين شعر القرن الخامس الهجري الوسيط؟!


منشور في صحيفة الوئام الالكترونية
http://www.alweeam.com/news/articles...on=show&id=918

 

رد مع اقتباس
رد

أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
شفرة [IMG] متاحة
شفرة HTML معطلة
الانتقال السريع


توقيت مكة المكرمة +3. الساعة الآن 09:44 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.0
Copyright ©2000 - 2010 Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة للجمعية العلمية السعودية للغة العربية